الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
280
تفسير روح البيان
آياتها وكفروا ببعض كالآيات المغيرة المشتملة على امر بعثة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ونعوته الكريمة أو في القرآن بان قال بعضهم انه شعر وبعض سحر وبعض كهانة لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ اى خلاف بعيد عن الحق والصواب مستوجب لأشد العذاب * اعلم أن في هذه الآيات وعيدا عظيما لكل من يكتم الحق لغرض فاسد دنيوي فليحذروا اى العلماء ان يكتموا الحق وهم يعلمون وانما يكتمونه عن الملوك والأمراء والوزراء وأرباب الدنيا اما خوفا من اتضاع مرتبتهم ونقصان قدرهم عندهم واما طموحا إلى إحسانهم أو لأنهم شركاؤهم في بعض أحوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص في طلبها أو طلب مناصبها وحب رياستها أو بالتنعم في المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والأواني وآلات البيت والأمتعة والزينة في كل شئ والخدم والخيول وغير ذلك فعند ذلك يداهنون ويأكلون ثمنا قليلا ولا يأكلون إلا نار الحرص والشهوة والحسد التي تطلع على الأفئدة وتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب * واعلم أن في كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شررا يجتنى من نار السعير فتحصل في قلب العبد تلك النار في الحال وفي التي تصدر من العبد على وفق الشرع شررا يجتنى من نار المحبة فتظهر في القلب فتحرق كل محبوب غير اللّه في قلب كما أن نار السعير تحرق في القلب الحسنات والأخلاق الحميدة فيأكلون نارا في الحال وانما قال ما يأكلون في بطونهم الا النار لان فسادهم كان في باطل فكان عذابهم في البطون وانما لا يكلمهم اللّه يوم القيامة لأنهم كتموا كلام اللّه في الدنيا ولا تكلموه بالصدق فكان جزاء سيئة سيئة مثلها وانما لا يزكيهم لان تزكية النفس للانسان مقدرة من الايمان والأعمال الصالحة بصدق النية من تهذيب الأخلاق بآداب الشرع فأولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا حب الدنيا بهدى اظهار الحق وآثروا الخلق على الحق والمداهنة على أفضل الجهاد قال عليه السلام ( ان أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) وانما كانت أفضل لان الجهاد بالحجة والبرهان جهاد أكبر بخلاف الجهاد بالسيف والسنان فإنه جهاد أصغر ومدار كتمان الحق حب الدنيا وحبها رأس كل خطيئة * قال الحسن ان الزبانية إلى فسقة حملة القرآن اسرع منهم إلى عبدة الأوثان فيقولون ربنا ما بالنا يتقدمون إلينا فيقول اللّه ليس من يعلم كمن لا يعلم فمن اشترى الدنيا بالدين فقد وقع في خسران مبين وكان دائما في منازعة الشيطان - كما حكى - ان رجلا قال للشيخ أبى مدين ما يريد منا الشيطان شكاية منه فقال الشيخ انه جاء قبلك وشكا منك وقال اعلم أنه سيشكونى ولكن اللّه ملكنى الدنيا فمن نازعني في ملكي لا اتسلى بدون إيمانه فمن كف يده عن الدنيا وزينتها فقد استراح من تعبها ومحنتها - وحكى - ان ذا القرنين اجتاز على قوم تركوا الدنيا وجعلوا قبور موتاهم على أبوابهم يقتاتون بنبات الأرض ويشتغلون بالطاعة فأرسل ذو القرنين إلى ملكهم فقال ما لي حاجة إلى صحبة ذي القرنين فجاء ذو القرنين فقال ما سبب قلة الذهب والفضة عندكم قال ليس للدنيا طالب عندنا لأنها لا تشبع أحدا فجعلنا القبور عندنا حتى لا ننسى الموت ثم اخرج رأس انسان وقال هذا رأس ملك من الملوك كان يظلم الرعية ويجمع حطام الدنيا فقبضه اللّه تعالى وبقي عليه السيئات ثم اخرج رأسا آخر وقال أيضا هذا